سيد محمد طنطاوي
204
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وجملة * ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِه الدُّنْيا حَسَنَةٌ ) * تعليل لوجوب الامتثال لما أمروا به من تقوى اللَّه - تعالى - والاستجابة لإرشاداته . وقوله : * ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ) * متعلق بمحذوف خبر مقدم ، وقوله * ( فِي هذِه الدُّنْيا ) * متعلق بقوله : أحسنوا ، وقوله * ( حَسَنَةٌ ) * مبتدأ مؤخر . أي : للذين أحسنوا في هذه الدنيا أقوالهم وأعمالهم . . حسنة عظيمة في الآخرة ، ألا وهي جنة عرضها السماوات والأرض . وقوله - تعالى - : * ( وأَرْضُ اللَّه واسِعَةٌ ) * جملة معترضة لإزاحة ما عسى أن يتعللوا به من أعذار ، إذا ما حملهم البقاء في أوطانهم على التفريط في أداء حقوق اللَّه . قال صاحب الكشاف : ومعنى : * ( وأَرْضُ اللَّه واسِعَةٌ ) * أن لا عذر للمفرطين في الإحسان البتة ، حتى إن اعتلوا بأوطانهم وبلادهم ، وأنهم لا يتمكنون فيها من التوفر على الإحسان ، وصرف الهمم إليه قيل لهم : فإن أرض اللَّه واسعة ، وبلاده كثيرة ، فلا تجتمعوا مع العجز ، وتحولوا إلى بلاد أخر ، واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم ليزدادوا إحسانا إلى إحسانهم ، وطاعة إلى طاعتهم « 1 » . ومن الآيات التي وردت في هذا المعنى قوله - تعالى - : يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ . كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ . ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الصابرين فقال : * ( إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ) * أي : إنما يوفى الصابرون على مفارقة الأوطان ، وعلى تحمل الشدائد والمصائب في سبيل إعلاء كلمة اللَّه . . . يوفون أجرهم العظيم على كل ذلك بغير حساب من الحاسبين . لأنهم لا يستطيعون معرفة ما أعده - سبحانه - لهؤلاء الصابرين من عطاء جزيل ، ومن ثواب عظيم ، وإنما الذي يعرف ذلك هو اللَّه - تعالى - وحده . قال الإمام الشوكاني : أي : يوفيهم اللَّه أجرهم في مقابلة صبرهم بما لا يقدر على حصره حاصر ، ولا يستطيع حسبانه حاسب . والحاصل أن الآية تدل على أن ثواب الصابرين وأجرهم لا نهاية له ، لأن كل شيء يدخل تحت الحساب فهو متناه ، وما كان لا يدخل تحت الحساب فهو غير متناه . وهي فضيلة عظيمة ومثوبة جليلة ، تقتضي أن على كل راغب في ثواب اللَّه ، وطامع فيما عنده من الخير ، أن يتوفر
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 117 .